يمر الإنسان خلال حياته بمراحل علمية وعملية تتيح له أن يكتسب العديد من الخبرات والمعارف، من خلال عددٍ من المواقف والأحداث التي يمر بها، وقد رشحت للعمل أميناً عاماً لنادٍ رياضي فترة زمنية امتدت ما يقرب من ست سنوات اكتسبت فيها العديد من الخبرات والفوائد والدروس الحياتية، ورغبة في إفادة مَن هم في هذا العمل أو يرغبون فيه مستقبلاً، ومساهمة في تطوير أنديتنا الرياضية، أقدّم بعضاً من تلك الخبرات والفوائد والدروس:
- مجلس إدارة النادي: يمثِّل مجلس إدارة النادي العمود الفقري، الذي بنجاحه ينجح النادي وإن اعوج أو ضعف اعوج وضعف النادي، وبجهوده واهتمامه وحرصه وكفاءة وتكاتف أعضائه يحقق النادي ما يطمح إليه من أهداف، إما إذا كان أعضاء المجلس أو أغلبهم غير متكاتفين وأقل كفاءة مما ينبغي، ووجودهم إنما هو كمجرد أعضاء شرف تدوّن أسماؤهم على الأوراق وفي المحاضر، فإن الآمال المعقودة على هذا المجلس لن تصبح حقيقة. وتحقيقاً لأدوار المجلس لا بد أن يتفهم جميع الأعضاء وبالذات أصحاب المناصب الإدارية الأدوار المنوطة بكل عضو من خلال الاطلاع على اللوائح والمهام المحددة في الأدلة الرسمية، حتى لا تتداخل الأعمال وتختلف الآراء ووجهات النظر أثناء العمل، ومما يؤكّد عليه في أعضاء مجلس الإدارة ما يلي:
(1) أن يكون من ضمن أعضاء المجلس أصحاب خبرات واهتمامات مختلفة، وخاصة بالمجال الرياضي والإداري.
(2) أن يكون من ضمن أعضاء المجلس وجهاء - مادياً أو معنوياً أو كليهما - من المدينة أو المحافظة التي يوجد بها النادي.
(3) أن يكون أعضاء المجلس أصحاب علاقات اجتماعية مؤثّرة إيجابياً وتلقى قبولاً من اللاعبين وأفراد المجتمع.
(4) أن يتولّى رئاسة المجلس شخصية اعتبارية وذات قيمة وظيفية ومجتمعية مرموقة.
(5) أن ينتظم أعضاء مجلس الإدارة في الحضور إلى النادي وتنفيذ الأعمال المكلّف بها، وتقديم الاستشارات اللازمة.
- أمين عام النادي: تعتبر مهام أمين عام النادي من أهم المهام الإدارية وأكثرها صعوبة، وذلك بناءً على اللائحة العامة للأندية الرياضية التي نصت على تلك المهام، وهو (الدينمو) المحرك للنادي، لذا لا بد أن تتوافر فيه العديد من الصفات والإمكانيات التي تؤهله للقيام بجميع تلك المهام، حتى يكون أميناً موضع ثقة المجلس والعاملين في النادي، كما يتطلب منه أن يبني علاقات إيجابية مع جميع المرتبطين بالنادي سواءً من داخل النادي أو خارجه، وأن يتمتع بالقدرة على التعامل مع جميع المرتبطين بالنادي في جميع الظروف.
- حب النادي: هناك أناسٌ إذا أحبوا شيئاً بذلوا له كل ما يستطيعون من جهدٍ ووقتٍ ومال، كذلك النادي هناك أناسٌ أحبوه، بل جرى حبه في عروق دمائهم، سواءً من أعضاء مجلس الإدارة أو المدربين أو العاملين أو اللاعبين وغيرهم، أحبوه وبذلوا ويبذلون في سبيل ذلك الحب جهدهم ووقتهم وشيئاً من أموالهم، ومما تعجبت له في موضوع حب الأندية أن هناك أناساً يتغنون بحب النادي عندما يكونون قريبين منه أو عندما يكون لهم حاجة من النادي، وإذا ترك أحدهم النادي أو ابتعد عنه - وخصوصاً إذا كان ذلك بسبب خلاف بينه وبين إدارة النادي - ينقلب ذلك الحب إلى عداوة ظاهرة أو باطنة، فأي حبٍ هذا!، أهو حبٌ أم مصالح شخصية انعدمت فانعدم ذلك الحب.
- أخلاقنا ومبادئنا: ندعو إلى التمسك بأخلاقنا وقيمنا وتعاليمنا الإسلامية، ونردد دائماً أن الرياضة فن وذوق وأخلاق، ويبقى ذلك مجرد كلامٍ نظري إلا إذا طبّقناه في واقعنا، فمثلاً خلق الوفاء بالعهود والمواثيق من الأخلاق التي أمرنا بها ربنا عزَّ وجلَّ ورسولنا صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ} وفي الحديث: (آية المنافق ثلاث...)، ومنها (إذا وعد أخلف)، ومن أمثالنا التي نرددها (وعد الحر دينٌ عليه)، وفي أنديتنا الرياضية طالما يعطي مجلس الإدارة العهود والمواثيق سواءً للمدربين أو اللاعبين أو غيرهم، كما يعطي المدربون عهوداً للاعبين وغيرهم، وللأسف أحياناً تلك العهود والمواثيق تذهب أدراج الرياح، وخصوصاً عندما تكون تلك الوعود وعوداً مالية، بعد ذلك تنعدم الثقة ويقل العطاء، وقد يبدأ الكيد والكراهية لذلك النادي ومَن فيه!
ومن خلال عملي أميناً عاماً للنادي أوصي أحبتي في الأندية الرياضية سواءً كانوا من أعضاء مجلس الإدارة أو المدربين والعاملين إلى تقديم كسب القلوب على كسب المواقف، لأن الأندية الرياضية مؤسسات تهدف إلى احتواء أكبر عدد من الشباب المميزين بمواهبهم الثقافية والرياضية والاجتماعية، وغالبية هؤلاء على استعداد لترك النادي إذا واجه أي موقف أو مشكلة أو شعر أن هناك مواقف لم تحترم وتقدّر فيها مشاعره وظروفه.
ومما يعزِّز تلك الأخلاق والمبادئ تنمية الوعي الفكري والثقافي في الأندية الرياضية، إذ يعاني الكثير من اللاعبين - وأحياناً بعض المدربين وغيرهم ممن له علاقة بالأندية - ضعفاً في الوعي الفكري والثقافي، والذي أدى إلى كثيرٍ من المشكلات الرياضية والإدارية، لذا أؤكد هنا - كما أكّدت في مقال سابق - على أهمية تنمية الوعي الفكري والثقافي لدى جميع اللاعبين والعاملين في الأندية الرياضية، لأن الرياضة بدون وعي فكري وثقافي ضررها أكثر من نفعها.
- يعتبر المال عصب الحياة لأي مشروع وعمل يرغب أصحابه والمهتمون به في أن ينجح، كذلك الأندية الرياضية فالمال والمادة عصب نشاطها وتفوقها، لذا أستطيع أن أقول: أعطني مالاً وأضمن لك بعد توفيق الله نجاح النادي، إذ إنه بتوافر المال يتوافر لك الرجال العاملون وتتوافر لك الإمكانيات وهذه مقومات نجاح الأندية الرياضية، وواقع كثير من الأندية الرياضية شاهدٌ على ذلك، فعندما توفر لها المال استطاعت تحقيق النجاح والبروز على كثير من الأندية التي كانت أكثر شهرة منها.
ولكن من خلال الخبرة البسيطة يمكن القول إنه ومع قلة الإمكانيات المادية وبمراعاة الأخلاق الإسلامية وتوافر العقول المفكرة والمخطّطة في مجلس الإدارة والعاملين في النادي، وتوافر العلاقات الإنسانية الرائعة والعلاقات الاجتماعية الصادقة ينجح النادي الرياضي ويحقق الفوز في كثيرٍ من المجالات وقد يبرز على غيره من الأندية التي تفوقه مادياً.
- مما تعلمته في النادي أهمية تطبيق مقولة: (أعط القوس باريها)، إذ ينبغي للمسؤول أن يسند الأمر إلى أهله، فإذا تم وضع الشخص في مكان غير المكان المناسب له فإنه يأتي بالعجائب، فلا يتولّى أمانة الصندوق ولا تسند مسؤولية النفقة والصرف على الفرق إلا للأمين الصادق، ولا يسند أمر إدارة الفرق إلا للفطن الذكي، ولا يقود الفريق إلا القائد.
- لا يمكن أن يحقّّق النادي المعزول عن المجتمع والساحات الإعلامية النجاحات المتميّزة التي يطمح لها النادي، فالمجتمع والجمهور يريد أن يرى من النادي نتائج وخدمات يقدّمها للمجتمع وأفراده، وكلما قدّم النادي نتائج وخدمات أفضل كان أكثر نجاحاً، أما أهمية حضور النادي إعلامياً فكما قيل: (نصف الحرب طهبلة).
أخيراً: ليس هذا كل ما اكتسبته من خبرات عندما كنت أميناً عاماً لنادٍ رياضي، فلا يزال هناك الكثير والكثير، والله الموفّق.